هل ما زال الطفل الذي بداخلك حيًا؟

ليس الإنجاز الحقيقي أن يتقدم الإنسان في العمر فحسب، بل أن يبلغ الكهولة وما زال الطفل الذي يسكن أعماقه حيًا.

أن تشيب شعرك، لكن تبقى الدهشة تسكن عينيك، وأن تحمل حكمة السنين دون أن تفقد قدرتك على الفرح، أو شغف الاكتشاف، أو الاستمتاع بأبسط تفاصيل الحياة.

فالكثير يكبر جسده، لكن قليلين فقط يكبرون دون أن تموت أرواحهم.

الطفل الذي لا ينبغي أن يموت

نحن نربط النضج غالبًا بالجدية والتخلي عن كل ما كان يمنحنا البهجة في طفولتنا، حتى أصبح من المعتاد أن يُنظر إلى الهوايات واللعب والخيال على أنها أمور لا تليق بالكبار.

لكن هل هذا هو النضج فعلًا؟

ربما يكون النضج الحقيقي هو أن تجمع بين عقل الإنسان الراشد وقلب الطفل؛ أن تمتلك الحكمة دون أن تفقد البراءة، وأن تتحمل مسؤوليات الحياة دون أن تخسر قدرتك على الضحك والانبهار.

عبد الوهاب المسيري… نموذج جميل

كان المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري أحد أعظم المفكرين العرب، ورغم انشغاله بالفلسفة والفكر والموسوعات، كتب أيضًا قصصًا للأطفال.

وعندما سُئل كيف يجمع بين هذا العمق الفكري والكتابة للصغار، أجاب بمعنى جميل مفاده أنه حافظ على الطفل الذي يعيش داخله، ولذلك ترك له مساحة ليعبر عن نفسه باللغة التي يحبها.

وهنا تكمن الفكرة.

فالعظمة لا تعني أن ننفصل عن الطفل الذي كنا عليه، بل أن نصطحبه معنا ونحن ننضج.

لا تتخلَّ عن ما أحببته

كم من شخص ترك الرسم لأنه أصبح “كبيرًا”، أو هجر القراءة الممتعة، أو توقف عن اللعب مع أطفاله، أو تخلى عن هواياته لأن المجتمع أقنعه أن هذه الأشياء لا تناسب عمره.

لكن لماذا؟

هل يكبر الإنسان عندما يترك كل ما كان يمنحه الحياة؟

أم أنه يصبح أكثر جفافًا؟

لقد أصبحت الحياة تدفعنا إلى الإنتاج المستمر والعمل المتواصل حتى صرنا نخجل من ممارسة الأشياء التي تمنح أرواحنا الراحة.

بينما الحقيقة أن الروح تحتاج إلى اللعب كما يحتاج العقل إلى العمل.

التوازن هو السر

رأيت في الحياة أناسًا جعلوا حياتهم كلها عملًا، وآخرين لا يعيشون إلا للدراسة، وغيرهم لا يعرفون سوى الترفيه.

لكن أجمل حياة هي التي تجمع بين الجميع.

اعمل بجد.

اقرأ.

تعلم.

مارس هواياتك.

اخرج مع من تحب.

واضحك من قلبك.

فالحياة لا تُعاش بلون واحد.

الطفل هو مصدر الإبداع

الطفل الذي بداخلك ليس رمزًا للبساطة فقط، بل هو مصدر الإبداع أيضًا.

هو الذي يرى الإمكانيات حيث لا يراها الآخرون.

ويندهش بما اعتاده الناس.

ويحول أبسط الأشياء إلى تجربة ممتعة.

ولهذا نجد أن أكثر الأشخاص إبداعًا هم الذين احتفظوا بشيء من فضول الأطفال، ولم يسمحوا للاعتياد أن يطفئ دهشتهم.

الساعادة بالتفاصيل

ذلك الطفل الداخلي هو من يجعل المنزل يمتلئ بالحياة.

وهو من يفرح بالمطر.

ويستمتع بفنجان قهوة.

ويبتسم عند رؤية غروب جميل.

أما حين يموت، تصبح الأيام متشابهة، ويفقد الإنسان قدرته على الإحساس بجمال التفاصيل، حتى لو امتلك كل أسباب الرفاهية.

لا تسمح له بالرحيل

الشيخوخة الحقيقية ليست تجاعيد الوجه، بل تجاعيد الروح.

وليست في عدد السنوات، بل في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن الدهشة، وعن التعلم، وعن الضحك، وعن الاستمتاع بالحياة.

فحافظ على الطفل الذي يسكن داخلك.

امنحه وقتًا لهواياته.

واترك له مساحة للخيال.

واضحك دون حرج.

وافرح بالأشياء الصغيرة.

فربما يكون هذا الطفل هو أجمل ما بقي فيك.


 

تم تلخيصة من مقال اشرف اشرف