في كل مرة ألتقي بشخص تقاعد من عمله وأراه في قمة عطائه ونشاطه وخبرته، يراودني السؤال نفسه: هل أصبح عمر الستين فعلاً عمراً مناسباً للتقاعد؟ في رأيي، #التقاعد الإجباري عند سن معينة لا يستفيد منه أحد. فالإنسان في الستين اليوم ليس إنسان الستين قبل خمسين عاماً. بل قد يكون في قمة نضجه وخبرته وقدرته على اتخاذ القرار والعطاء. في هذا العمر يكون قد تعلم من أخطائه، واستقرت حياته، واكتسب خبرة واسعة في إدارة الناس والأعمال، وتخلص من كثير من اندفاع الشباب وعصبيته، وأصبح أكثر حكمة وهدوءاً وقدرة على رؤية الصورة كاملة. والخبرة لا تُشترى، ولا تُدرّس في الجامعات، ولا تُكتسب في الدورات التدريبية. إنها حصيلة عشرات السنين من العمل والتجارب والنجاحات والإخفاقات والتعامل مع الناس والظروف والمتغيرات. لهذا أرى أن كثيراً من الأشخاص يبلغون أفضل مراحل إنتاجهم بعد الستين، لأنهم يمتلكون ثروة حقيقية لا يمكن تعويضها أو استبدالها: الخبرة المتراكمة. ولم أفهم يوماً فكرة أن يُطلب من الإنسان أن يتوقف عن الإنتاج والعطاء لمجرد أنه بلغ سناً معينة، بينما لا يزال يتمتع بالصحة والطاقة والرغبة في العمل وخدمة مجتمعه ووطنه. فالعمل لا يمنح الإنسان دخلاً فقط، بل يمنحه هدفاً ورسالة وشعوراً بالقيمة. أما الجلوس وانتظار الأيام أن تمضي فليس أسلوب حياة أتمناه لأحد. ولذلك أقول دائماً إن التقاعد، بالنسبة لي، هو مرادف للموت البطيء، لأن الإنسان عندما يتوقف عن العطاء يفقد جزءاً كبيراً من سبب وجوده. العالم يتغير، ومتوسط الأعمار يرتفع، ونوعية الحياة تتحسن. وربما حان الوقت لإعادة النظر في بعض المفاهيم التقليدية حول العمر والعمل والتقاعد. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون القدرة والكفاءة والرغبة في الإنتاج، لا تاريخ الميلاد. أما في نظري، فالستون ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة قد تكون من أكثر مراحل الحياة عطاءً وحكمةً وإنجازاً. العمر مجرد رقم، أما العطاء فلا عمر له.
خليفة الحبتور

