فجوة الوعي: لماذا يتجاوز الإيمان حدود المختبر؟
في أكثر لحظات الليل هدوءًا، حين يتلاشى ضجيج الحياة، يبقى سؤال واحد حاضرًا في أعماق الإنسان: لماذا أنا هنا؟
لقد منحنا العلم قدرة هائلة على فهم الكون؛ فشرح لنا حركة المجرات، وتركيب الخلايا، وآلية عمل الدماغ. لكنه، بطبيعته، يدرس ما يمكن ملاحظته وقياسه، أما سؤال الغاية والمعنى فيظل خارج حدود المختبر.
يرى بعض الفلاسفة أن العقل البشري لم يُصمم ليكشف حقيقة الوجود المطلقة بقدر ما أُعد ليعين الإنسان على البقاء. ولهذا يعمل في مستويات مختلفة؛ مستوى يحلل الوقائع، وآخر يحفظ التجارب، وثالث يتجاوز التفسير إلى البحث عن المعنى.
وهنا تظهر الفجوة التي لا يملؤها المنهج العلمي وحده. فمهما اتسعت معرفتنا بالعالم، يبقى في داخل الإنسان شعور فطري يدفعه إلى البحث عن مصدر هذا الوجود، وعن الحكمة التي تقف خلف نظامه المدهش.
قد تصف علوم الأعصاب ما يحدث في الدماغ أثناء لحظات التأمل والخشوع، وتربطها بنشاط شبكات مثل Default Mode Network، لكنها لا تستطيع أن تجيب عن السؤال الأعمق: هل الدماغ هو منشأ هذه التجربة، أم أنه مجرد وسيلة يتلقى الإنسان من خلالها نداءً أسبق من المادة؟
ومن المنظور الإيماني، لا يُنظر إلى هذا الشعور بوصفه وهمًا صنعه العقل، بل أثرًا من الفطرة التي أودعها الله في الإنسان؛ فالجسد ليس مصدر الإيمان، وإنما الوعاء الذي تتجلى فيه تلك الفطرة.
لهذا لا يبقى الإيمان مجرد فكرة تناقش أو نظرية تُختبر، بل يصبح تجربة يعيشها الإنسان في أعماقه. فقد يطالب العقل بالدليل، لكن القلب يستشعر حضورًا لا تقيسه الأجهزة، ولا تختزله المعادلات.
ولعل هذا هو السبب في أن الإنسان، كلما ازداد معرفةً بالكون، عاد ليسأل عن خالقه. فالعلم يكشف قوانين الوجود، أما الإيمان فيقود إلى واضع تلك القوانين.
وفي النهاية، لا يؤمن الإنسان لأنه عجز عن الفهم، بل لأنه أدرك أن وراء هذا الكون نظامًا لا يكتمل معناه إلا بوجود خالق؛ وحين يستجيب لذلك النداء الفطري، يشعر أنه ليس وحيدًا في هذا العالم، بل متصل بموجدٍ أحاط كل شيء علمًا ورحمة.
قد يقودك العلم إلى اكتشاف أسرار الكون، لكن الفطرة هي التي تقودك إلى معرفة خالق الكون.
حرره واعاد صياغته /ابوصقر عن الكاتب Silent Source33


