عندما يبقى الشكل… ويضعف الجوهر
إذا تأملنا طبيعة التواصل بين الأقارب اليوم، سنجد أن المشكلة ليست في اختفاء القرابة، بل في تغير طريقة ممارستها. فمع تسارع الحياة، وتزايد النزعة الفردية، وضعف دور الأسرة الممتدة، أصبح التواصل يأخذ أشكالاً مختلفة، بعضها يحافظ على العلاقة، وبعضها يحافظ على مظهرها فقط.
يمكن ملاحظة ستة أنماط شائعة للتواصل:
1. التواصل الموسمي
يقتصر على الأعياد، وشهر رمضان، والمناسبات الدينية والاجتماعية. يلتقي الأقارب، ويتبادلون التهاني، ثم تنقطع الأخبار حتى المناسبة التالية.
هذا النمط يحافظ على الحد الأدنى من صلة الرحم، لكنه نادراً ما يصنع علاقة عميقة.
2. التواصل المرتبط بالحاجة
يظهر عندما تفرض الظروف طلب خدمة، أو استشارة، أو وساطة، أو دعم.
ولا تكمن المشكلة في طلب المساعدة، بل عندما تصبح الحاجة هي الدافع الوحيد للتواصل، فيختفي الاتصال بانتهاء الغرض.
3. التواصل الصوري
يهتم بإظهار الترابط أكثر من ممارسته.
صورة جماعية في العيد، أو منشور عائلي، أو حضور جماعي أمام الناس، بينما يظل التواصل الحقيقي غائباً في الأيام العادية.
في هذه الحالة تصبح الصورة أقوى من العلاقة نفسها.
4. التواصل في المناسبات الكبرى
لا يعود اللقاء إلا عند الأحداث الكبيرة؛ زواج، وفاة، أو مناسبة عائلية استثنائية.
ورغم أهمية هذه اللقاءات، فإنها لا تعوض الغياب الطويل عن تفاصيل حياة الأقارب.
5. التواصل بدافع الواجب
يقوم على أداء ما يراه الإنسان واجباً دينياً أو اجتماعياً، دون أن يكون مدفوعاً برغبة حقيقية في التقارب.
هو تواصل يحافظ على الاحترام، لكنه لا يخلق بالضرورة دفئاً أو مشاركة وجدانية.
6. التواصل الآلي
يبقى الاتصال موجوداً، لكنه يخلو من العمق.
أسئلة متكررة عن الصحة أو العمل، ورسائل مقتضبة، ومحادثات تنتهي قبل أن تبدأ، وكأن العلاقة تؤدى كعادة أكثر منها تعبيراً عن اهتمام.
الخلاصة
هذه الأنماط لا تعني أن جميع الأسر تعيش الواقع نفسه، كما أنها ليست أوصافاً ثابتة للأشخاص، فقد يجتمع أكثر من نمط في العلاقة الواحدة.
لكنها تعكس تحولاً اجتماعياً واضحاً؛ إذ انتقلت كثير من علاقات القرابة من التفاعل المستمر إلى التواصل المناسباتي أو الوظيفي، وأصبحت صورة العلاقة في أحيان كثيرة تسبق جوهرها.
فصلة الرحم لا تُقاس بعدد اللقاءات في العيد، ولا بعدد الصور الجماعية، وإنما بوجود اهتمام صادق يستمر حتى عندما لا تكون هناك مناسبة تدعو إلى اللقاء.
تم اعادة تحريره للكاتب/فيتوري الفيتوري




