الإنسان الذي كان بوسعك أن تكونه
هل راودك يومًا شعور بأن هناك نسخة أخرى منك لم تظهر بعد؟
نسخة أكثر شجاعة، وأكثر حكمة، وأقوى عزيمة؛ لكنها ما زالت عالقة خلف الخوف، والعادات، والتردد، والشك في الذات.
كثيرون يمضون سنوات حياتهم دون أن يكتشفوا حقيقة ما كان بوسعهم أن يصبحوا عليه. وليس لأنهم يفتقرون إلى القدرات، بل لأنهم اعتادوا صورة صغيرة لأنفسهم، ثم صدقوها حتى أصبحت في نظرهم حقيقة.
ولعل أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه ليس أن يفشل، بل أن يعتاد العيش بأقل من إمكاناته.
السؤال إذن ليس:
ما حجم الإمكانات التي تمتلكها؟
بل:
ما الذي يقف بينك وبين الإنسان الذي تستطيع أن تكونه؟
لماذا نختار العيش في الظل؟
نحن غالبًا لا نختار الفشل صراحة، وإنما نختار شيئًا أكثر هدوءًا وخطورة: الاستكانة.
تأمل أي مؤسسة تضم عشرات الموظفين. الجميع يعمل تحت الأنظمة نفسها، ويتقاضون رواتبهم، ويؤدون مهامهم، لكن بعد سنوات ستجد أن قلة منهم فقط تقدمت بصورة استثنائية.
لماذا؟
ليس بالضرورة لأنهم الأكثر ذكاءً أو لأنهم يعملون ساعات أطول، وإنما لأنهم يمتلكون بنية عقلية مختلفة.
أحدهم يرى الوظيفة وسيلة للحصول على راتب آخر الشهر، بينما يراها الآخر فرصة لاختبار قدراته، وتوسيع معرفته، وصناعة أثر.
والأمر نفسه في العلم.
قد يتخرج عشرات الأطباء من الجامعة نفسها، ويحصل كثير منهم على درجات متقاربة، لكن بعد سنوات يظهر بينهم طبيب واحد يصبح مرجعًا في تخصصه.
لم تكن الشهادة وحدها هي التي صنعت الفارق.
فالتعليم والاجتهاد والانضباط ليست إلا تذكرة دخول إلى المضمار، أما ما يحدث بعد ذلك فيعتمد على الطريقة التي يدير بها الإنسان عقله وقدراته.
ثلاثية الاستثناء
هناك ثلاث صفات تصنع جزءًا كبيرًا من الفارق بين من يكتفي بما هو عليه ومن يستمر في التطور.
1. تجاوز حدود المألوف
الإنسان العادي يتقن ما طُلب منه.
أما المختلف فيسأل:
هل توجد طريقة أفضل؟
الطبيب المتميز لا يرى أمامه مرضًا فقط، بل إنسانًا له ظروفه وتاريخه واحتياجاته.
والموظف المتميز لا ينتظر الأزمة حتى يتعامل معها، بل يبحث عن أسبابها ويطور النظام حتى يمنع حدوثها.
الاختلاف هنا ليس مخالفة الآخرين لمجرد الاختلاف، وإنما رفض التوقف عند حدود ما هو قائم عندما يكون بالإمكان تحسينه.
2. عدم الإصابة بتخمة الإنجاز
من أخطر اللحظات في حياة الإنسان اللحظة التي يقول فيها لنفسه:
لقد وصلت.
شهادة، ترقية، راتب جيد، منصب، نجاح اجتماعي…
ثم يبدأ الركون.
الإنسان الذي يستمر في النمو ينظر إلى كل إنجاز باعتباره محطة، لا نهاية الطريق.
لا يعني ذلك أن يعيش ساخطًا على حياته، وإنما ألا يجعل رضاه بما أنجزه سببًا لتوقفه عن التعلم.
هناك فرق كبير بين الرضا عن الحياة والرضا الذي يقتل التطور.
3. شجاعة الخطوة الأولى
الاختلاف له ثمن.
فمن السهل أن تختبئ خلف التعليمات والقواعد وتقول:
“هذا ما وجدته.”
لكن الأصعب أن تتحمل مسؤولية قرار، أو تقترح فكرة جديدة، أو تسلك طريقًا لم يعتده الآخرون.
كل نمو حقيقي يحمل احتمال الفشل.
ولهذا قد يكون الأمان أحد أكثر الأشياء التي تعيق الإنسان دون أن يشعر.
ربما نخشى نجاحنا أكثر من فشلنا
الفشل مؤلم، لكنه يمنحنا أحيانًا مبررًا مريحًا:
لم تكن الظروف مناسبة.
لم أحصل على الفرصة.
الآخرون كانوا أفضل حظًا.
أما النجاح الحقيقي فيسلب منا كثيرًا من هذه الأعذار، لأنه يضع أمامنا مسؤولية أكبر:
إذا كنت قادرًا، فماذا ستفعل بقدرتك؟
وهنا تكمن المفارقة.
أن تصبح أفضل نسخة من نفسك ليس امتيازًا فقط، بل مسؤولية؛ لأنه يتطلب منك أن تتعلم، وتنضبط، وتتغير، وتتحمل نتائج اختياراتك.
ولهذا يهرب البعض من إمكاناتهم دون أن يدركوا أنهم يفعلون ذلك.
ما الذي يمنعك من الوصول؟
تناول علم النفس والفلسفة هذه القضية من زوايا مختلفة.
رأى كارل يونغ أن الإنسان يقضي جزءًا من حياته في بناء الشخصية التي يريد المجتمع أن يراها، وقد يبتعد أثناء ذلك عن ذاته الحقيقية.
وتحدث أبراهام ماسلو عن تحقيق الذات، وعن الإمكانات التي قد يمتلكها الإنسان لكنه لا يجرؤ على الوصول إليها.
أما كارول دويك فأظهرت أبحاثها أهمية ما سمّته عقلية النمو؛ أي أن قدرات الإنسان ليست قالبًا مغلقًا، وأن الفشل يمكن أن يصبح جزءًا من عملية التعلم بدل أن يكون حكمًا نهائيًا على قدراته.
وتنسجم هذه الفكرة مع ما نعرفه اليوم عن المرونة العصبية Neuroplasticity؛ فالدماغ قادر على التغير والتعلم وإعادة تشكيل بعض مساراته مع الخبرة والممارسة.
وهذا يعني أن بعض الحدود التي نعتقد أنها جزء ثابت من شخصياتنا قد تكون، في الحقيقة، عادات ذهنية كررناها سنوات حتى صدقنا أنها نحن.
التغيير يبدأ من الداخل
وهنا يلتقي المعنى النفسي مع معنى عظيم في القرآن الكريم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فالتغيير لا يبدأ من العالم الخارجي فقط، وإنما من الداخل:
من الفكرة التي تحملها عن نفسك، ومن عاداتك، ومن إرادتك، ومن استعدادك لمواجهة نقاط ضعفك بدل الهروب منها.
قد تتغير الظروف، وتأتي الفرص، وتفتح الأبواب؛ لكن الإنسان الذي يحمل داخله العقلية القديمة قد يعيد صناعة حياته القديمة حتى داخل الظروف الجديدة.
من تريد أن تكون؟
هنا يتحول المقال من الحديث عن الآخرين إلى الحديث عنك أنت.
تخيل نفسك بعد خمس أو عشر سنوات.
ليس فقط:
كم سيكون دخلك؟
أو ما المنصب الذي ستصل إليه؟
بل:
أي إنسان تريد أن تكون؟
كيف تريد أن يكون علمك؟
وأخلاقك؟
وعلاقتك بالله؟
وصحتك؟
وعلاقاتك بالناس؟
وماذا تريد أن تترك خلفك؟
اكتب هذه الصورة بوضوح.
فالإنسان الذي لا يعرف إلى أين يريد الوصول، قد يمضي سنوات وهو يتحرك كثيرًا دون أن يتقدم في الاتجاه الذي يعنيه حقًا.
ثم اسأل نفسك سؤالًا أصعب:
ما الفرق بين الإنسان الذي أنا عليه اليوم، والإنسان الذي أريد أن أصبحه؟
ستجد أمامك فجوة.
قد تكون علمًا تحتاج إلى اكتسابه، أو عادة يجب التخلص منها، أو خوفًا ينبغي مواجهته، أو مهارة تحتاج إلى تعلمها، أو علاقة تحتاج إلى إصلاحها، أو قرارًا تؤجله منذ سنوات.
وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
ليس بأن تغير حياتك كلها غدًا، وإنما بأن تعرف اتجاهك ثم تتحرك نحوه باستمرار.
لا تكن نسخة من الآخرين
التفرد لا يعني أن تكون غريبًا، ولا أن تخالف المجتمع في كل شيء.
بل أن تبني حياتك بوعي بدل أن تعيش وفق قالب جاهز صنعه الآخرون لك.
قد يكون نجاح شخص في المال، وآخر في العلم، وثالث في أسرته، ورابع في خدمة الناس، وقد يجمع الإنسان بين أكثر من ذلك.
المهم ألا تقضي عمرك تطارد صورة لا تشبهك لمجرد أن المجتمع وصفها بأنها نجاح.
فالغاية ليست أن تصبح أفضل من الآخرين.
الغاية أن تصبح أفضل مما كنت عليه.
وفي النهاية…
قد لا تكون أكبر خسائر الإنسان مالًا فقده، أو منصبًا لم يحصل عليه، أو فرصة مرت أمامه.
ربما تكون الخسارة الأشد ألمًا هي أن يصل إلى نهاية الطريق، ثم يكتشف أن بداخله إنسانًا آخر كان يستطيع أن يكونه…
لكنه لم يمنحه الفرصة.
لذلك، حين تنظر إلى حياتك اليوم، لا تسأل فقط:
ماذا حققت؟
بل اسأل:
كم اقتربت من الإنسان الذي أعرف أن بوسعي أن أكونه؟
فأحيانًا لا يكون أكبر عائق أمام مستقبلنا هو العالم من حولنا…
بل نسختنا القديمة التي نرفض مغادرتها.
اقتباس من مقال اشرف شريف




