كيف نصنع اضطراباتنا النفسية بأيدينا؟
بعد أن امتلأ ذلك “الوعاء” بتجارب الحياة، يبرز سؤال أكثر أهمية:
هل الأحداث وحدها هي التي تصنع اضطراباتنا النفسية؟
الجواب في كثير من الأحيان: لا.
فالحدث قد يكون مؤلمًا، لكنه لا يكفي وحده ليشكل شخصيتنا. ما يترك الأثر الحقيقي هو الطريقة التي استجبنا بها لذلك الحدث.
تأمل طفلين تعرضا للموقف نفسه. كلاهما فشل في تجربة، أو تعرض للسخرية، أو فقد شخصًا عزيزًا. ومع ذلك، يكبر أحدهما أكثر قوة واتزانًا، بينما يعيش الآخر سنوات طويلة أسيرًا للخوف أو القلق أو ضعف الثقة بالنفس.
ما الذي صنع هذا الفرق؟
إنها الاستجابة الأولى.
فالإنسان لا يتذكر المواقف فقط، بل يخزن أيضًا الطريقة التي تعامل بها معها. وكلما كرر الاستجابة نفسها، تحولت مع الوقت إلى عادة عقلية، ثم إلى جزء من شخصيته.
ولهذا فإن كثيرًا من مشكلاتنا النفسية لا تبدأ بحدثٍ كبير، وإنما تبدأ بفكرة صغيرة لم نراجعها، أو بردة فعل خاطئة كررناها حتى أصبحت أسلوبًا دائمًا في الحياة.
من الفكرة… إلى الشخصية
الشخصية لا تتغير في ليلة واحدة.
إنها تُبنى بهدوء، قرارًا بعد قرار، وفكرةً بعد فكرة.
فالذي يهرب من مواجهة أخطائه في كل مرة، يتعلم مع مرور الوقت أن الهروب هو الحل.
والذي يلقي اللوم دائمًا على الآخرين، يعتاد أن يرى نفسه ضحية مهما كانت الظروف.
أما الذي يعترف بخطئه، ويتعلم منه، ثم ينهض من جديد، فإنه يربي نفسه على الصلابة والمرونة في آنٍ واحد.
لهذا لا ينبغي أن نسأل دائمًا:
“لماذا حدث لي هذا؟”
بل لعل السؤال الأهم هو:
“كيف تعاملت مع ما حدث؟”
فالإجابة عن هذا السؤال تكشف كثيرًا مما نجهله عن أنفسنا.
الإسلام لا يعالج الأفعال فقط… بل يعالج الإنسان
من يتأمل القرآن الكريم والسنة النبوية يدرك أن المقصود من الأوامر والنواهي ليس مجرد تنظيم السلوك الظاهر، بل بناء الإنسان من الداخل.
فالعبادات والأخلاق والقصص القرآنية ليست تعليمات منفصلة، وإنما منهج متكامل لإصلاح القلب والعقل والنفس.
ولهذا نجد في قصص الأنبياء دروسًا نفسية عميقة، لا تقل أهمية عن الدروس الإيمانية.
ومن أجمل الأمثلة على ذلك موقف نبي الله موسى عليه السلام عندما قتل الرجل خطأً، فلم يبحث عن مبررات، ولم يلقِ المسؤولية على الظروف أو على الآخرين، وإنما واجه نفسه أولًا، وقال:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾
هذا الاعتراف يحمل معنى تربويًا عظيمًا.
فالإنسان يبدأ إصلاحه الحقيقي عندما يكف عن البحث عن الأعذار، ويبدأ بمحاسبة نفسه بصدق.
وليس المقصود جلد الذات، وإنما تحمل المسؤولية.
فالنفس التي تعترف بخطئها قابلة للإصلاح، أما النفس التي لا ترى إلا أخطاء الآخرين، فإنها تحرم نفسها من النمو مهما امتلكت من علم أو خبرة.
الكلمة التي قد تصنع سجنًا نفسيًا
ومن المعاني العميقة أيضًا ما جاء في الحديث الشريف:
«وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان».
قد تبدو كلمة “لو” بسيطة، لكنها قادرة على إدخال الإنسان في دائرة لا تنتهي من الندم.
“لو اخترت هذا التخصص…”
“لو لم أقل تلك الكلمة…”
“لو اتخذت قرارًا مختلفًا…”
هذه العبارات لا تغيّر الماضي، لكنها تستنزف الحاضر.
ولهذا يصف علماء النفس هذه الحالة بـ الاجترار الذهني؛ وهو أن يعيد الإنسان التفكير في الحدث نفسه مئات المرات، دون أن يصل إلى حل، حتى يصبح أسيرًا لماضٍ لا يمكن تغييره.
ومن هنا تتجلى الحكمة النبوية؛ فالحديث لا يمنع مراجعة الأخطاء للاستفادة منها، وإنما يمنع الاستسلام لندمٍ عقيم يحبس الإنسان داخل الاحتمالات التي انتهت.
فالفرق كبير بين أن تتعلم من الماضي، وبين أن تعيش فيه.
الأول يصنع الحكمة.
أما الثاني، فيصنع القلق.
ولهذا فإن أكثر الناس راحة ليسوا الذين لم يخطئوا، بل الذين تعلموا كيف يغلقون أبواب الندم بعد أن يأخذوا منها الدرس، ثم يمضون إلى حياتهم بثقة ورضا.




