لا تجعل التشخيص هويتك
في السنوات الأخيرة أصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر انتشارًا، وهي خطوة إيجابية بلا شك، لأنها ساعدت كثيرًا من الناس على طلب العلاج وفهم أنفسهم بصورة أفضل. لكن في المقابل ظهر اتجاه آخر لا يقل خطورة، وهو التشخيص الذاتي.
أصبح من السهل أن يقرأ الإنسان مقالًا أو يشاهد مقطعًا قصيرًا، ثم يقتنع بأنه مصاب باضطراب معين، لأنه وجد عرضًا أو عرضين يشبهان ما يشعر به.
فيقول أحدهم: “أنا أعاني من الوسواس القهري.”
ويقول آخر: “أنا مصاب باضطراب الشخصية الحدية.”
وثالث يعتقد أن كل شعور بالحزن يعني الاكتئاب.
لكن النفس الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في بضعة أعراض متفرقة.
فالحزن شعور طبيعي، والخوف طبيعي، والقلق في بعض المواقف طبيعي، وحتى الاجترار الذهني يحدث لكل إنسان بدرجات متفاوتة. أما الاضطرابات النفسية فهي حالات طبية لها معايير دقيقة، لا يمكن الجزم بها من خلال تجربة شخصية أو قراءة عابرة.
ولذلك، فإن أخطر ما يفعله الإنسان أحيانًا ليس المرض نفسه، بل أن يقنع نفسه بأنه مريض دون دليل، فيبدأ بالنظر إلى كل تصرف يصدر منه على أنه دليل جديد يؤكد هذا الاعتقاد، حتى تتحول الفكرة مع الزمن إلى جزء من صورته عن نفسه.
ولهذا، فإن الوعي بالنفس لا يعني الإسراع إلى تصنيفها، بل يعني فهمها، ومراقبتها، والعمل على إصلاحها.
راقب أفكارك قبل أن تتحول إلى عادات
أكثر ما يشكل الإنسان ليس ما يفعله مرة واحدة، بل ما يكرره كل يوم.
الفكرة التي تسمح لها بالبقاء دون مراجعة، قد تصبح غدًا قناعة.
والقناعة التي لا تختبرها، قد تتحول إلى عادة.
والعادة التي تستمر سنوات، قد تصبح جزءًا من شخصيتك.
لهذا كان من الحكمة أن يجلس الإنسان مع نفسه بين الحين والآخر، لا ليجلدها أو يلومها، بل ليسألها بصدق:
- لماذا غضبت؟
- لماذا خفت؟
- لماذا فسرت هذا الموقف بهذه الطريقة؟
- هل كان هناك تفسير آخر أكثر عدلًا؟
- ماذا تعلمت من هذه التجربة؟
مثل هذه الأسئلة لا تغير الماضي، لكنها تمنع الماضي من أن يتحكم بالمستقبل.
لا تجعل نفسك مركز العالم
من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس أنهم يمنحون ذواتهم مساحة أكبر مما تستحق.
فينشغل أحدهم بتحليل كل شعور، وتفسير كل فكرة، والبحث عن اسم لكل حالة يمر بها، حتى يصبح أسيرًا لمراقبة نفسه أكثر من اهتمامه بإصلاحها.
والطريق الأسلم ليس أن تنشغل بما يسمى “نوع شخصيتك”، أو أن تبحث في كل يوم عن تصنيف جديد، بل أن تجعل اهتمامك منصبًا على سلوكك.
هل أصبحت اليوم أكثر صبرًا؟
هل تحكمت في غضبك بصورة أفضل؟
هل اعتذرت عندما أخطأت؟
هل تعلمت من تجربة الأمس؟
هذه الأسئلة هي التي تبني الإنسان، أما الانشغال الدائم بوصف النفس وتصنيفها، فقد يحبسها داخل قوالب لا تحتاج إليها.
بناء النفس رحلة لا تنتهي
لن يأتي يوم تبلغ فيه الكمال، ولن تستيقظ صباحًا وقد اختفت جميع عيوبك.
فالإنسان خُلق ضعيفًا، وسيظل يجاهد نفسه ما دام حيًا.
لكن الفرق بين شخص وآخر ليس في خلو أحدهما من العيوب، بل في استعداده الدائم لمراجعة نفسه، والاعتراف بأخطائه، والسعي إلى إصلاحها.
ولهذا فإن بناء الشخصية ليس مشروعًا ينتهي، بل رحلة تستمر ما دام القلب ينبض.
كل موقف يمر بك فرصة لتتعلم.
وكل خطأ ترتكبه فرصة لتصحح.
وكل تجربة مؤلمة يمكن أن تصبح بابًا لحكمة جديدة، إذا أحسنت التعامل معها.
الخاتمة
قد لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع اختيار الطريقة التي نستجيب بها لما يحدث.
وهنا يكمن الفرق بين من تقوده الحياة، ومن يقود حياته.
فليست قوة الإنسان في أنه لا يسقط، بل في أنه يعرف كيف ينهض بعد كل سقوط، وكيف يمنع الجرح من أن يتحول إلى هوية، والخطأ من أن يتحول إلى قدر، والندم من أن يصبح أسلوب حياة.
وحين يدرك الإنسان أن إصلاح النفس يبدأ من مراقبة أفكاره، ومحاسبة سلوكه، والرجوع إلى الله في كل تقصير، فإنه يكون قد وضع قدمه على أول طريق الطمأنينة.
فالسلام النفسي لا يولد من غياب المشكلات، وإنما من حسن التعامل معها. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بنفسه، وتواضعًا في مراجعتها، وصدقًا في إصلاحها، اقترب من الحياة التي أرادها الله له: حياة يسكنها القلب، ويطمئن فيها العقل، وتمضي فيها النفس بثبات، مهما اشتدت تقلبات الدنيا.
تم تلخيص المقال الاصلي لكاتبه اشرف شرف




