منذ أن وعى الإنسان نفسه، وهو يطارد شيئًا يظن أنه سيمنحه السعادة. يبحث عن الحب، ويسعى وراء المال، ويجتهد لتحقيق النجاح، ويحيط نفسه بالأصدقاء والعلاقات، معتقدًا أن أحد هذه الأشياء سيملأ ذلك الفراغ الداخلي الذي يشعر به.
لكن الحقيقة أن كل هذه المطاردات تعود إلى أصل واحد: الجوع العاطفي.
فالإنسان لا يريد المال لذاته، وإنما يريد الشعور بالأمان الذي يظن أن المال سيمنحه له. ولا يبحث عن الشهرة لأنها غاية، بل لأنها تمنحه الإحساس بالقيمة. وحتى الحب، في كثير من الأحيان، لا يكون بحثًا عن شخص بقدر ما يكون بحثًا عن الطمأنينة والانتماء.
لماذا لا نشبع؟
المشكلة أن الإنسان عندما يصل إلى ما كان يحلم به، يكتشف أن الفراغ لا يزال موجودًا.
قد يحصل على الوظيفة التي أرادها، أو يتزوج الشخص الذي أحبّه، أو يجمع ثروة كبيرة، ثم يفاجأ بأن السعادة التي انتظرها لم تستقر داخله إلا أيامًا أو أسابيع، قبل أن يعود الشعور بالنقص من جديد.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا كنت قد حصلت على ما تمنيت، فلماذا لا يزال قلبي يشعر بالجوع؟
لأننا كثيرًا ما نطلب من الأشياء ما لم تُخلق لتعطيه.
الروح لا تشبع بما يشبع الجسد
المال يشبع الحاجة المادية، لكنه لا يملأ القلب.
والعلاقات تمنح المودة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان أمانًا مطلقًا، لأن البشر يتغيرون، والظروف تتبدل، وكل ما في الدنيا معرض للزوال.
ولهذا يبقى القلب مضطربًا ما دام قد علّق سعادته على شيء قابل للفقد.
فالروح تبحث عن شيء أسمى من الممتلكات والأشخاص؛ تبحث عن السكينة، وعن الاطمئنان، وعن معنى ثابت لا تهزه تقلبات الحياة.
مصدر الطمأنينة
يشير القرآن إلى أن المشاعر التي يفتش عنها الإنسان كلها ترجع إلى الله سبحانه وتعالى.
فهو الذي قال:
﴿وألقيت عليك محبةً مني﴾
وقال:
﴿وحنانًا من لدنا﴾
وقال:
﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾
فالإنسان كثيرًا ما يطلب الحب من البشر، والأمان من المال، والراحة من النجاح، بينما أصل هذه المعاني كلها عند خالقها.
وعندما يمتلئ القلب بالله، لا يعود محتاجًا إلى الناس ليمنحوه قيمته أو طمأنينته، بل يصبح قادرًا على أن يمنحهم هو الحب والرحمة والسكينة.
السعادة تبدأ من الداخل
تحدث الفلاسفة كثيرًا عن السعادة، ومن أشهر أقوال أفلاطون أنها حالة عقلية.
ومع اختلاف المدارس الفلسفية، فإن المعنى الذي يمكن استخلاصه هو أن السعادة ليست شيئًا نلتقطه من الخارج، وإنما طريقة ننظر بها إلى الحياة.
ولهذا نجد أشخاصًا يملكون القليل ويعيشون بسلام ورضا، بينما يعيش آخرون وسط النعيم المادي وهم في قلق دائم.
فالفرق ليس في حجم الممتلكات، بل في حالة القلب.
مقام الاستغناء
ومن أجمل الثمار التي يصل إليها الإنسان عندما يمتلئ قلبه بالله، مقام يسمى الاستغناء.
والاستغناء لا يعني احتقار الناس، ولا الانعزال عن المجتمع، ولا رفض الحب أو المال.
بل يعني أن تتوقف عن جعل سعادتك رهينة عند الآخرين.
فلا يؤلمك غياب شخص لأن قلبك لم يعد متعلقًا به تعلقًا مرضيًا.
ولا يكسرك تغير الناس، لأن استقرارك النفسي لم يكن قائمًا عليهم من الأساس.
ولا يجعلك فقد المال تشعر بأن حياتك انتهت.
إنها حرية داخلية تجعل الإنسان يعيش مع الناس بمحبة، لكنه لا يستمد قيمته منهم.
عندما يمتلئ القلب
المفارقة الجميلة أن الإنسان عندما يتوقف عن التسول العاطفي، يصبح أكثر قدرة على الحب.
فهو لا يحب لأنه محتاج، وإنما لأنه ممتلئ.
يعطي دون أن ينتظر المقابل.
ويحنو دون خوف من الخذلان.
ويحسن إلى الناس لأنه وجد مصدر الرحمة الحقيقي.
ولهذا يشعر من حوله بالراحة في حضوره، لأن قلبه لم يعد يطالبهم بأن يسدوا نقصه، بل أصبح يمنحهم شيئًا من الطمأنينة التي امتلأ بها.
هل يعني هذا أن نترك الدنيا؟
قطعًا لا.
فالمال نعمة، والحب نعمة، والأبناء زينة الحياة الدنيا، والنجاح مطلب مشروع.
لكن الخطأ أن نجعل هذه النعم مصدر سعادتنا الوحيد.
فالمال وسيلة لا غاية.
والعلاقات نعمة لا معبود.
والأشياء خُلقت لتُستخدم، لا لتستعبد أصحابها.
الخلاصة
كل ما يبحث عنه الإنسان من حب، وأمان، وسكينة، وطمأنينة، هو في حقيقته بحث عن شعور لا تستطيع الدنيا أن تمنحه بصورة كاملة.
ولهذا يبقى القلب جائعًا حتى يعرف مصدره الحقيقي.
وحين يستغني الإنسان بالله، لا يفقد الدنيا، بل يصبح أقدر على الاستمتاع بها دون خوف من زوالها.
ويصبح المال في يده لا في قلبه، ويحب الناس دون أن يستعبدوه، ويعيش مطمئنًا لأن بوصلة سعادته لم تعد معلقة بما يفنى، بل بمن لا يزول.
“استغنِ بالله، تُصبح حرًا من كل ما كان يستعبد قلبك.”
تم تلخيص الموضوع الاصلي للكاتب اشرف اشرف



