لماذا تخاف الموت وأنت تتدرب على احتضارك كل 16 ساعة دون أن تملك خيار الرفض؟

فكّر فيما يحدث لك عند النوم.

تستلقي، تُطفئ الأنوار، ثم تجلس تنتظر لحظة السقوط في اللاشعور…

الغريب أنك لا تستطيع أبدًا تحديد اللحظة التي نمت فيها؛ فأنت لا تملك زر إيقاف لتشغيل وعيك، بل يتم «سحبه» منك قسرًا دون إذنك.

هذا بالضبط هو الموت: انسحاب كامل للسيطرة بينما أنت تراقب.

خدعة الزمن

أصحاب الكهف ناموا 309 سنوات، وعندما تيقظوا قالوا:

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾

هذا ينسف أوهامنا عن الوقت؛ فالزمن الذي ينهار تمامًا بمجرد خروج الروح، مهما طالت مئات السنين في عالم البرزخ، فإن إدراكك للوقت الأرضي يتلاشى لحظة القيامة، قد قامت وكأن الأمر لم يستغرق إلا غفوة عين…

في القرآن لم يقل: (أنامكم)، بل قال:

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾

حين تنام، أنت «ترتاح» بمعناها التبسيطي، أنت تُنزع من هذا العالم مؤقتًا.

وحين تستيقظ، لا يعني ذلك أنك «بطل» استطعت النهوض، بل يعني أن القرار صدر بإعادتك.

الاستيقاظ ليس خطوة تلقائية، بل هي قرار إرجاع ومهلة لم يُحسم أمرها بعد ليلتك القادمة.

وفي الحقيقة

نحن لا نخشى الموت لذاته؛ فنحن نذوق طعم انقطاع الوعي كل ليلة ونستسلم له بشغف.

ما نخشاه فعليًا هو انقطاع القدرة على التدارك.

نخشى اللحظة التي يُغلق فيها باب الإمكان، فلا تملك بعدها أن تستغفر عن كلمة، أو تصلح خطأً أو تبدأ من جديد.

النوم يعطيك فرصة للعودة، أما الموت فيسلبك «حق المحاولة».

ومن العجز أن تجازف بالدخول في هذه الغيبوبة وأنت تحمل حسابك عليك. لذا، قبل أن تسلم وعيك للظلام كل ليلة…

مارس «تصفية الحساب الأخير»

اخفض قلبك من كل غِلّ؛ فليس من العقل أن تلقى الله بخصومة لم تفرغ منها.

اقرأ سورة الملك، خواتيم سورة البقرة، أو صلِّ ركعتين في جوف الليل حين لا يراك أحد إلا ربك.

وردد استغفارًا بنية التوبة العامة لتضع نقطة النهاية لصحيفة يومك.

اختم ليلتك بالباقيات الصالحات:

(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

وإذا وضعت رأسك على وسادتك لتنام، اجعل آخر كلامك تفويضًا كاملًا لخالقك:

«اللهم إني أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

وتذكر أن المشكلة ليست في الموت، المشكلة أننا نتصرف وكأننا نملك «ضمانة» للعودة كل صباح في الليلة القادمة…

وأنت تغمض عينيك وتستسلم لغياب الوعي، تذكر أنك لا تذهب لترتاح فقط.

أنت تضع نفسك في يد خالقك، وتنتظر إن كان سيرسلها أم يمسكها.

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ۝ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.