كيف تتشكل شخصيتك النفسية عبر تجارب الحياة؟
لسنا الأشخاص أنفسهم الذين كناهم قبل عشر سنوات، ولا حتى قبل عام واحد. ففي كل تجربة نخوضها يموت جزء منا، ويولد جزء آخر.
يتعامل كثير من الناس مع الحياة وكأنها رحلة مستقيمة تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالإنسان لا يعيش حياةً واحدة، بل يعيش حيواتٍ متعددة داخل العمر نفسه. ففي كل خسارة، وكل فشل، وكل خيبة أمل، تنتهي نسخة قديمة منا، لتبدأ نسخة جديدة أكثر نضجًا، أو أكثر هشاشة، بحسب الطريقة التي تعاملنا بها مع تلك التجربة.
لهذا لا يمكن اختزال الإنسان في عمره الزمني فقط، لأن عمر النفس يُقاس بعدد التحولات التي مرت بها، لا بعدد السنوات التي عاشها.
لماذا نشتاق إلى الطفولة؟
من الأسئلة التي تكاد تتكرر عند الجميع: لماذا نشتاق إلى طفولتنا، رغم أن حياتنا اليوم قد تكون أكثر راحة، وأفضل من الناحية المادية، وأوسع في الخيارات؟
قد يظن البعض أن الحنين سببه الألعاب القديمة، أو البيت الذي نشأنا فيه، أو الأصدقاء الذين غابوا، لكن هذه ليست إلا صورًا يحملها الذهن. أما الحقيقة، فهي أن الإنسان لا يشتاق إلى الأماكن بقدر ما يشتاق إلى الحالة النفسية التي كان يعيشها.
فالطفولة لم تكن مجرد مرحلة عمرية، بل كانت حالة من الخفة.
خفة لا يعرفها إلا من فقدها.
كان الطفل يفرح بسرعة، ويحزن بسرعة، ثم ينسى سريعًا. لم يكن يحمل همَّ الغد، ولا يقضي ليله يفكر فيما قاله الناس عنه، ولا يقلقه مستقبلٌ لم يأتِ بعد. كان يعيش اللحظة كما هي، بقلبٍ لم تثقله التجارب، وعقلٍ لم تملأه المقارنات.
ولهذا، حين نتقدم في العمر، لا نشتاق إلى ألعابنا القديمة بقدر ما نشتاق إلى تلك النفس الخفيفة التي كانت ترى العالم أبسط مما هو عليه.
الوعاء الذي يمتلئ مع مرور السنين
تخيل أن لكل إنسان وعاءً غير مرئي يولد معه.
في بداية الحياة يكون هذا الوعاء فارغًا تقريبًا، فلا يحمل الطفل إلا ما يناسب عمره. لكن مع مرور الأيام تبدأ التجارب بالتساقط داخله واحدةً تلو الأخرى.
أول كلمة رفض يسمعها.
أول خيبة أمل.
أول فشل.
أول فقد.
أول خذلان.
ثم تتوالى المواقف، حتى يمتلئ هذا الوعاء شيئًا فشيئًا، ويصبح أثقل مع كل مرحلة من مراحل الحياة.
والغريب أن الإنسان في كل مرحلة يعتقد أن ألمه الحالي هو أعظم ما مر به، لأن الجرح الجديد يطغى على ما سبقه. فالطفل الذي بكى يومًا لأن لعبةً انكسرت، يرى ذلك الحدث نهاية العالم، ثم يكبر فيستصغر تلك الحادثة أمام فقد صديق، ثم يستصغر فقد الصديق أمام مسؤوليات الحياة، ثم يرى كل ذلك صغيرًا أمام خسارة عزيز أو تجربة قاسية غيّرت مجرى حياته.
وهكذا تستمر الرحلة.
ليست المشكلة في أن الوعاء امتلأ، فهذه سنة الحياة، وإنما في الكيفية التي نتعامل بها مع ما بداخله.
ليست التجارب هي التي تصنعنا… بل استجاباتنا لها
يمر كثير من الناس بالتجربة نفسها، لكنهم لا يخرجون منها بالنتيجة نفسها.
قد يخسر شخصان عملهما في اليوم ذاته؛ فيرى أحدهما أنها فرصة لبداية جديدة، بينما يراها الآخر نهاية لكل شيء.
وقد يتعرض طفلان للموقف نفسه، لكن أحدهما يخرج أكثر قوة، بينما يحمل الآخر أثر التجربة معه سنوات طويلة.
وهنا تتكشف حقيقة مهمة يغفل عنها كثيرون:
الأحداث لا تبني شخصياتنا وحدها، بل الطريقة التي نفسر بها تلك الأحداث، والاستجابة التي نختارها تجاهها، هي التي تشكل عالمنا النفسي.
ومن هنا تبدأ رحلة تكوين الشخصية، لا من الخارج، بل من الداخل.
فالإنسان لا يحمل معه ذكريات الماضي فقط، بل يحمل أيضًا الطريقة التي تعلم بها مواجهة ذلك الماضي، وهي التي ستحدد شكل مستقبله أكثر من الحدث نفسه.




